المناصير بلدي
الزائر الكريم مرحبا بك في منتدى المناصير بلدي
ان لم تكن مسجلا فيرجى الضغط على زر التسجيل وملء بياناتك لقبول عضويتك

24 ساعة مع الملائكة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

24 ساعة مع الملائكة

مُساهمة من طرف هناء العم في الخميس 06 ديسمبر 2012, 9:06 pm


بسم الله الرحمن الرحيم


24 ساعة مع الملائكة
تأليف / محمد علي حماد العم


( 1 )
دخلت المدينة على حين غفلة من أهلها ... كانت الشوارع مرصوفة نظيفة ... كأنها غسلت بليل ..
بل لقد كانت تلمع زاهية ... الأرض أمامي مغطاة بالأسفلت الأسود والبلاط الأبيض ... كدت أن اخلع حذائي حتى لا تتسخ الأرض .
كانت الأشجار تملأ جانبي الطريق لم تكن أشجار نيم كالتي في بلادي ... بل أشجار فاكهة وزينة وخضار ...
متشابكة أغصانها مخضرة أوراقها تزقزق فيها الطيور من كل حجم ولون وتتخللها أشعة الشمس بصورة لا تملك أمامها إلا أن تسبح الله ....
سرت في الطريق من غير هدى مني أو غاية .... وكنت لا أدري هل أنا الذي أسير أم أن الطريق هو من يسير تحتي
تلفت لأرى مساكنها فهالني ما رأيت وأدهشني ما شاهدت !!!
كانت المنازل من غير أبواب أو نوافذ ... أعنى أنه كانت توجد فتحات في تلك البيوت ولكن لا توجد أبواب عليها ... تلك الأبواب التي نضعها على منازلنا ( أبواب خشب أو حديد أو صفيح ..)
حتى تمكنت من مكاني أن أرى ما يدور داخل بعض المنازل التي أمامي .. فهذه عجوز تشرب قهوتها مع أخريات .....
وهذا رجل مستلقي على سرير في صالونه يتصفح أحد المجلات ... و هؤلاء أطفال يتابعون رسوم متحركة على التلفاز ..... وهذه فتاة تتزين أمام المرآة ... يا جمالها
كالبدر ليلة تمامه ... كان على صدرها رمانتان ... ولها عينان نجلاوتان ووقفت فاغرا فاهي مشدوها بالنظر إليها لحظات.
وهذه امرأة تصنع الطعام في مطبخها ....... لقد قلبت بصري في تلك البيوت بلا حياء مني أو خجل
ليغفر الله لي وليسامحني فقد كنت قليل الذوق قليل الأدب ... لم أراعي حرمة أحد ولم أكترث لوازع ضمير ..... وأخذت أسائل نفسي .. لماذا لا يضعون أبواب على منازلهم حتى لا يتلصص عليهم أمثالي كاشفا عوراتهم .... أو يتطفل عليهم الآخرون ...
وبينما أنا في ذهولي ... شاهدت رجل وسيدة يقفان بجانب أحد البيوت ورأيت يضغط الرجل على جرس في الحائط ..... لم تمض لحظات حتى أقبل طفل من الداخل وسمح لهما بالدخول ....
أمر يدعو للضحك منزل من غير باب وجرس كهربائي ...إنهم أناس غريبو الأطوار .

( 2 )
بينما أنا في دهشتي هذه ... انتبهت على صوت سيارة فوجدت نفسي أمام عربة نقل عام ( باص ) ... رأيتني أصعد فيها دون إرادتي ....ركبت ثم جلست .... ربما أول مرة في حياتي أجد مكانا خاليا في عربة ... كنت في بلادي أزاحم الصغير والكبير والمرأة والرجل .. كي أحظى بمقعد .... كنت أصعد قبل نزول الركاب ... و المحصلة دائما أكون محشورا وسط العديدين الذين تضيق بهم العربة
وتكاد تختنق من شدة الزحام ...
ولا داعي لذكر الرائحة المنبعثة ممن حولك ... وما يحدث في ظلام العربة من التصاق الأجساد .
وجدتني أجلس على مقعد وثير ... كدت أغوص فيه من شدة ليونته ... بدأت أتصفح الركاب لعلي أجد أحد أعرفه أو يعرفني كعادتنا دائما في وسائل المواصلات ... فرأيت جميع الركاب من ذوي الوجوه الصبوحة ... المبتسمة وبطبعي المرهف انكسر أمام الابتسامة وأشعر بالراحة النفسية عندما يبتسم شخص في وجهي ... تذكرت قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (( تبسمك في وجه أخيك صدقة ))
فأصبحت اختلس النظرات إليهم ... فهذا رجل وذاك شاب وهذه فتاة وتلك امرأة ...
ولما استبطأت محصل التذاكر ( الكمساري ) سألت عنه جاري متهكما .....
والذي كان يبدو نائما ( الكمساري دا نام ولا شنو ) ...
( أي كمساري ؟؟؟ ) قالها دون أن يفتح عينيه ...
فأدهشني سؤاله ورفعت له حاجب السخرية الأيسر ( الكمساري بتاع الباص ... بتاع التذاكر ) ففتح عينيه ورد علي بابتسامة رائعة ( لا يوجد محصل تذاكر ... إذا أردت أن تدفع .. ادفع هنا )


وأشار إلى علبة صغيرة على ظهر المقعد الذي أمامي ... تلك العلبة التي توضع بها رماد السجائر وقشور الفول والتسالي .... أو شيء من هذا القبيل ....
في هذه اللحظة لم أجد بدا من رفع حاجبي السخرية الأيسر و الأيمن معا .... وربما أحس هو بذلك ففتح لي تلك العلبة فأصبت بوجوم ....
لقد رأيت بعض الأوراق المالية داخل تلك العلبة ... ( ادفع 25 قرش فقط ) قالها لي وعاد لغفوته ........
وجدت نفسي أضع المبلغ وأغلق العلبة بين الحيرة والاستغراب ....
ما هذا نقود داخل طفاية السجائر ... إن هذا لشيء عجاب !!!!
رغم خيالي الواسع لم أكن أتخيل أنني يمكن أن أجد نقود في هذا المكان أو أن أضع نقود في هذا المكان ...
ولكن هذا ما حدث ....
لقد وضعت بكامل إرادتي مبلغ خمسة وعشرين قرشا في علبة صغيرة هو ثمن تلك الرحلة .....
أليس من المكن أن يتهمني صاحب العربة أنني لم ادفع
كيف يعرف صاحب العربة أن هذا دفع وذاك لم يدفع
بل كيف يأمن هؤلاء الناس بعضهم بعضا ...أليس من الممكن أن يركب أحدهم ثم لا يدفع
أليس ممكنا أن يركب أحدهم ويأخذ جميع النقود التي في تلك العلب ويهرب من غير أن يكتشف أمره أحد من
البشر و.. و... ,,,
هكذا دارت بي خواطري
نظرت لصاحب العربة فرايته مبتسما يدندن بإحدى الأغاني الشعبية ويهز رأسه طربا
يا لك من أحمق ... من ذا يدريك أن ركابك دفعوا أو سرقوا أو هربوا ...
أيها الأبله الطروب ... أما كان أفضل لك أن تستأجر أحدا ليعمل معك ويتحصل على نقودك ...
أو تتحصل أنت بنفسك على هذه النقود
إنني أكاد أفقد عقلي من تصرفات هؤلاء القوم



( 3 )

رأيتني أدخل سوقا ... كنت أحسبني سأرى سوقا كسوق أمدرمان الذي ألفناه بقذارته وعفانته وضؤضاءه و صخيبه
كنت أظنني سوف أدخل سوقا به مياه راكدة و كلاب ضالة ... ذباب منتشر ...ومتسولون ونشالون ...نساء كاسيات ورجال دجالون
ولكني دخلت مكانا .... متاجره على اليمين والشمال مصفوفة ... شوارع هواءها بارد وسقفها مرفوعة ....
كانت الحركة منسابة كجريان المياه .... ليس هناك زحمة ... أو هذا وطأ قدمك أو ذاك صدمك .....
وكانت حركة البيع والشراء تتم بلا أصوات .... حتى خلتهم صم بكم لا ينطقون ....
هل هؤلاء خشب مسندة أم بشر أمثالي ؟؟؟؟
لماذا لا يحدثون ضؤضاء وضجيجا كالذي نعايشه في أسواقنا يوميا ؟؟؟
أين هي مكبرات الصوت التي تنادي الناس من كل فج عميق ومن كل ركن قصي ؟؟؟
أين أولئك الباعة المتجولون الذين يطاردونك ؟؟؟
وهم يحملون أكياس ولبان وأواني منزلية
لقد تبعني أحدهم مرة كيلومترا وهو يحمل صورة النجم ( آنيل كابور )
مال لهؤلاء القوم لا يمشون في الأسواق كما نمشي في أسواقنا ؟؟؟
تجولت في هذا المكان كيفما اتفق ....
رأيت على احد المتاجر لا فتة صغيرة كتب عليها ( سأعود بعد قليل )
ولكني رأيت أناس يتحركون داخل المحل فأدخلني فضولي وراءهم
فرأيت أحدهم يأخذ علبة لبن ( فورموست )وبعض من الشاي والبسكويت ثم رأيته يتجه نحو الخزينة ويضع عشرين جنيه ويأخذ بعض الجنيهات وينصرف
ورأيت آخر يفتح لنفسه زجاجة مياه غازية ( بيبسي كولا ) ويضع خمسين قرشا ....
إن كل منهم يأخذ حاجته ويحاسب نفسه وينصرف ....
أصبح المتجر خالي من الزبائن سواي ... فتجولت فيه والأسئلة تطاردني والشكوك تزاحمني
لماذا يترك صاحب هذا المتجر متجره مفتوحا ؟؟؟؟ ألا يخاف اللصوص ؟؟؟

أنا لا أفهم تصرفات هؤلاء البشر
لا أدري كيف يتعاملون ؟؟ ما سر كل ذلك ؟؟
وبينا أنا في هذه الحالة .... طرأت علي فكرة ...فأعملت عقلي جيدا .... هدأت نفسي قليلا
فقد عرفت سر ترك المتجر مفتوحا .....
لقد وضع صاحب هذا المتجر آلات تصوير وكاميرات أخفاها بين البضائع والرفوف .... كاميرات كالتي توضع أمام السفارات الأجنبية بالخرطوم وأمام بعض البنوك وداخلها ....
آلات تصوير تراقب حركة الزبائن داخل المتجر ......
فقررت البقاء لأقابل صاحب المحل وأخبره عن هذا الأمر .... وأسأله ماذا سيستفيد من كل هذا ..... هب أن أحدهم سرقه وعلم هو بواسطة هذه الكاميرات.... هل يستطيع إدراك الأمر والقبض عليه ؟؟؟
أم أن الموضوع سيطول ( شرطة ... بلاغات ..... رفع بصمات .... شهود .....الخ )
أما كان من الأجدى والأفضل أن يغلق محله ويرتاح
انتظرته حتى يرجع .... جلست على جوال فول أو بلح لا أتذكر .....وأخذت أقلب صفحات مجلة وجدتها بالمحل
كانت حركة الزبائن مستمرة ..... بل أن بعضهم حسبني صاحب المحل .... مما جعلني أرد عليهم كاذبا أنني قريب له
وكنت لا أعرف صاحب المحل ... فكلما يدخل شخص أحسبه هو فيكون مجرد مشتري ....
حتى دخل عليا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ..ذو لحية طويلة ... يعلوه الوقار والسكينة
تبدو بسمة في شفتيه ... أحسست برهبة عندما أقبل نحوي ....
ألقى علي السلام فرددت بصوت هامس السلام عليه ....
سألني هاشا باشا : إن كان يستطيع أن يخدمني في أمر ما .....
تركت المجلة التي بيدي ... وأصلحت نظارتي وقمت من مكاني .... بحثت عن صوتي فوجدته بصعوبة
( يا والدي ....لقد اكتشفت سر اللعبة ...) أجابني حائرا ( أي سر ..؟؟ وأي لعبة ؟؟؟ )
( آلات التصوير التي وضعتها بين بضائعك لتعلم من الذي سرقك ومن غشك )
( لا يا ولدي ... أنت مخطئ ... ليس لدي آلات تصوير ولكن .....)
قاطعته ( ولكن ماذا ...؟؟ هل تريد أن تقول أنك لا تعرف من يدخل المحل في غيابك ؟؟)
( ولماذا اعرف ؟؟؟ ) أجابني
صحت فيه ( لماذا تعرف ؟؟ لتتأكد من عدم سرقة أحد لك ......)
قال لي الرجل بهدوء قاتل ( أنا أعرف تماما أنه لا يوجد شخص يسرقني أو يسرق غيري
واثق تماما من أمانة جميع سكان هذه البلدة ..... )
( أهم من ذلك أن تترك متجرك وقلبك مطمئن أنك عندما تعود لن تجد احد سرقك ؟؟؟ )
( أهدأ يا بني ) وفتح لي زجاجة مياه غازية وطلب مني الجلوس ...
جلسنا ... ثم أخذ يتحدث ( نعم يا ولدي .... نحن لا نعرف السرقة ...أو الخداع والغش
متاجرنا مفتوحة ليلا نهارا من غير حراسة .... لا يوجد أحد بيننا يأخذ حقا ليس له
لا يوجد منا من يهضم حقوق الآخرين....
لا يوجد من سرقك ... لأنك لا تسرق غيرك ...
كل منا عرف حقه وعرف تماما كيف يأخذه أو يطالب به
كل منا عرف حقوق غيره ...وعرف تماما كيف يحافظ عليها ....
كل منا يملك ضمير حي يقظ ... أي منا يؤدي عملا ما فأنه يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون ...
(( حاسبوا قبل أن تحاسبوا ... وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ))

أبوابنا مفتوحة ليلا ونهارا .. لا سطو ولا نهب..... ولا اختلاس ... ولا اعتداء ...)
دخل زبون يطلب شيئا فقام ليلبي طلب الزبون .....
أخذت أتجرع البارد وأنا أفكر في كلامه ... وعرفت سر المنازل المفتوحة ...وسر عربة النقل العامة
مرت لحظات ثم عاد .... فقلت له ( أفهم من كلامك هذا أنكم وصلتم مرحلة من الحياة أصبحتم فيها متساويين
بعبارة أخرى أعني أنه لا يوجد بينكم فقراء ومساكين .... معدومين وبسطاء ؟؟؟ )
( لا .. لا ... منا الأغنياء ومن الفقراء ومنا دون ذلك .... ولكن ليس هذا مبرر لانتشار الشر )


( ألا ترى يا سيدي ... أنه متى ما وجد أغنياء وفقراء في مجتمع ما ... وجد التكبر والغرور وهضم الحقوق من ناحية ووجد الحسد والبغضاء والكراهية من ناحية أخرى ....أعني أن حياة الطبقات غالبا ما تكون مختلة التوازن ... ومتى ما اختل توازن مجتمع ما
اختلت معايير أخرى كثيرة )
( لا اتفق معك ... ففقير بلادي متواضع وغنيها أكثر تواضعا ....وكبير بلادي متدين وصغيرها أكثر تدينا ...وغني بلادي كريم وفقيرها أكثر كرما ....لا توجد حربا بين الأغنياء والفقراء ... ولا يوجد تباغض أو تنافر...بل العكس تماما هنالك الحب والتعاطف والتجاذب
ألا تعلم أن الشحنات الكهربائية المختلفة تتجاذب ؟؟ ... دعك من هذا ألم تقرأ عن المهاجرين والأنصار ؟؟؟ ..... )
صحت فيه ( أرجوك يا سيدي لا تحدثني عن الصحابة رضوان الله عليهم .... وأرجو منك ألا تقارن زماننا هذا بزمن الصحابة ...
ودعني أسالك أين هي هذه الضمائر التي تحاسب الناس ؟؟ ... أين هي هذه الرقابة الذاتية ؟؟ ... التي نضعها على أنفسنا ...
كل منا قتل ضميره ودفنه وارتاح ... أصبحنا بلا قيم بلا مبادئ ... لا يوجد خوف أو وازع ... لا يوجد رقيب أو حسيب ...
أصبح كل منا يعمل ما يراه مناسبا واتخذ ألهه هواه ... أنا لا أعترف بهذا الضمير ...
يقولون في الأمثال ... أن المال السايب يعلم السرقة وأنا لا أرى مالا سايبا هكذا .... )
كنت أتحدث بحرقة وألم شديدين ....
قال الشيخ التاجر ( إن من يراقب الله لا يكذب ولا يسرق ... إن من يستشعر عظمة الله لا يرتكب ذنبا ...
إن سكان هذه المدينة جعلوا الله عليهم رقيبا ... وهيهات لقوم الله عليهم رقيبا أن يضلوا
إن القرآن هو دستورنا ومنهجنا الذي نحيا به ... )
أجبته هازئا من كل شيء ( يا سيدي ... لقد أصبح القرآن في بلادي ... محايات تشرب ... وحجبات تعلق ...
لقد أصبح القرآن في بلادي يفتتح به برامج التلفزيون وحفلات المسارح ... إن القرآن عندنا يتوسل به في الأسواق ... )
قال الشيخ التاجر ( أريدك أن أسألك سؤال وأناشدك الله أن تصدقني القول ... إذا دخلت مثل هذا المحل ماذا كنت ستفعل ؟ أستحلفك بالله أن تقول الصدق .... )
أجبته ( كنت سآخذ حاجتي وأضع ثمنها وأنصرف )
وهنا صاح الرجل ( إذا لماذا تستغرب ولماذا تندهش ... إذا كان في الإمكان إيجاد شخص نظيف
فلماذا لا يكون هذا الشخص عشرات أو مئات أو ألوف ... ؟؟؟ )
نظرت إليه حائرا ... وخرجت من عنده وكلماته ترن في أذني ,,وأنا أضرب أخماس بأسداس .....


( 4 )

وجدت نفسي داخل كازينو في حديقة على ضفاف نهر.... لا أدري كيف دخلت ... كل ما أذكره أنني طلبت من عامل المحل
كوبا من عصير البرتقال ...
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرا... رأيتها لما دخلت ... فتاة باهرة الجمال ... رشيقة القوام ... لفتت انتباهي بابتسامتها
فتابعتها ببصري حتى جلست ولحسن حظي على المائدة التي أمامي ... ( ما هذا بشر .. إن هذا إلا ملك كريم ... )
وتذكرت الأغنية ( القمر خالها وعمها )...
ولما كنت أعشق الجمال بكل صوره وألوانه ... وأحب كل جميل ...
تراني درويش متصوف في حضرة الجمال ... أنسى نفسي ...
أصبحت منشغلا بالنظر إليها ... فلاحظت هي ذلك فابتسمت لي ...
ولأن الابتسامة تأسرني وتأخذ بلبي لاسيما إن كانت من وجه صبوح ...
رددت لها ابتسامتها بابتسامة اكبر ... ولما طال تطلعي إليها ... قامت من مكانها واتجهت نحوي ...
كاد قلبي يقفز من صدري ... أو لعله قفز ... قالت لما وصلتني ( أهلا ... ممكن أقعد ... )
لا أدري بماذا أجبتها ولكني يبدو وافقت على جلوسها ... لأني رأيتها سحبت الكرسي الذي أمامي وجلست بكل هدوء ...
لم استطيع النظر إليها مباشرة ...
قالت لي ( لاحظت أنك تطيل النظر إلي وأحيانا تختلس النظرات ... ما الأمر ؟؟؟ ) فأجاني سؤالها
واصلت حديثها... وتدفقت كلماتها بسهولة ( ...هل شبهتني على شخص ما ؟؟؟ ليس من اللائق النظر إلى الآخرين بهذه الصورة ... )
( أبدا ... ولكن ... ) ولم استطيع أن أكمل كلامي
( ولكن ماذا ؟؟؟؟ ) نظرت إليها مندهشا ( الحقيقة أنا غريب عن دياركم هذه ... لذلك تراني دائما أتفحص وجوه الآخرين
لعلي أجد شخصا أعرفه ... فلفت نظري وشد انتباهي ابتسامتك وأنت تدخلين ... وأنا ضعيف أمام الابتسامة ... أرتاح كثيرا إذا رأيت إنسان ما مبتسم ...
أيضا أعشق الجمال ... لذا لما رأيتك غلبني جمالك .... ) وهنا استدركت قائلا ( .... يبدو أنني نسيت نفسي أقدم اعتذاري .... )

أجابتني ( واصل حديثك )
( أرجو ألا تفهميني على نحو خاطئ ... كنت أود أن أقول أنني كنت مشدود بالنظر إليك لأن ابتسامتك كانت رائعة ...
مرة أخرى أرجو المعذرة .... ) كنت مضطربا جدا ...
قالت لي ( ما هذا الاضطراب ؟؟ ... ولماذا تتصبب عرقا ؟؟؟ )
( الحقيقة كما قلت سابقا ... أنا غريب عن هذه البلاد ... وهذه أول مرة في حياتي أتحدث فيها مع فتاة ...
ليست من أقاربي أو جيراني ..... )
سألتني ( من أي بلد أنت ؟؟؟ )
( بلد يقال لها أم درمان .... ) .... ( لقد سمعت عنها ... هل جئت إلى هنا في زيارة ..أم لعمل ؟؟ ... )
قلت لها ( ... الحقيقة أنا لا أدري... كيف جئت إلى هنا ... كلما أعرفه أنني وجدت نفسي هنا هذا الصباح ...
لا أعرف اسم هذه البلاد وهي هل في الشرق أم الغرب ... على فكرة ما اسم هذه الديار وأين تقع ؟؟؟؟ )
كنت أنظر إليها وهي تحدثني ... وكأنها من العالم الآخر ... كلما أسمعه صوت غناء يأتيني من خلفها
(( مع الطيور اللي ما بتعرف ليها خرطة ولا في أيدها جواز سفر .... ))
حدثتها عن المنازل المفتوحة والعربة والتاجر الشيخ ... ووجدتها تؤيد كلام الرجل عن هذه المدينة العجيبة ...
قالت بعد فترة ( لا شك أنك مندهش ... ومستغرب مني ... فتاة تجلس مع رجل غريب دون أن يكون بينهما سابق معرفة ...)
لم أرد عليها ... وواصلت هي قائلة ( ويجوز أنك رسمت لي صورة غير جميلة ... وكونت فكرة سيئة عني ... وأنني فتاة مستهترة ... لا أخلاق لي ولا أدب ... لأنني أجلس مع الغرباء ... وأتحدث معهم دون حياء أو خجل .... )
قلت لها بتردد ( ..... الحقيقة أنا ... ) وبلعت ريقي ... ( ..... يعني ..... أقصد ...... ) ولم استطع أن أكمل جملتي ....
( كن صادقا .... وتذكر أنك في المدينة التي لا يكذب فيها أحد .... وإن من يكذب يكون واضح كشمس النهار ... ألا ترى كيف تلعثمت وخنقتك الألفاظ لمجرد أنك فكرت في الكذب ... فكيف سيكون حالك إن كذبت فعلا .... )
جعلني كلامها أتشجع قليلا ....( لا أريد أن أكون وقحا ... ولكن فعلا كونت عنك فكرة ليست طيبة .....)
وواصلت ( أنا آسف ... ولكن من تفعل هذا في بلادي ... معناها ..... ) وسكت عن الكلام ....
أكملت هي ( معناها ما كويسة ؟؟ ) ... ( نعم ) قلتها في ثبات
( لماذا كونت عني هذه الفكرة ... هل لمجرد ابتسامتي لك وحديثي معك ؟؟؟؟ ) ... هززت رأسي بالإيجاب
( هل بدر مني أي شيء يدل على هذه الفكرة السيئة ؟؟؟ )
أجبتها بذهول ( حتى هذه اللحظة لا .... ) قالت وهي تضحك وتهز رأسها ( أنت مصر على رائك ... ومصر على اتهامك ... )

قلت لها ( أبدا ... ولكن المجتمع ... أقصد الناس عندما يشاهدونك وأنت تجلسين مع رجل في مكان عام ..لابد أن تكون نظرته هي التي أخبرتك عنها .... نظرة شك واتهام ... هذه هي نظرة المجتمع .... )

قالت .... ( أولا : المجتمع هو تفاعلنا نحن أفراد المجتمع ... يعني أننا من نقول كلمتنا ونفرض رائنا ...
يعني المجتمع ما حاجة منزلة من السماء .....
ثانيا : المجتمع الذي تجلس مع واحدة من أفراده الآن ... مجتمعي ... لا يعتبر ابتسامة الفتاة لغيرها خلاعة ... ولا يعتبر جلوسها في مكان عام هيافة أو مجون ... قد تكونون في بلادكم تنظرون إلى الفتاة نظرة خاطئة ... نظرة مخلوطة بالجنس ... وتعتبرون الأنثى شهوة فقط ...
قد تعتبرون في بلادكم جلوس الفتاة مع الولد سؤ سلوك ... ونوع من الانحراف ... ...وقد تفسرون في بلادكم ابتسامة الفتاة للولد أو غيره إشارة منها للإغراء وجذبه للمفاتن والوقوع في الهاوية .... أنا أرى أن نظرتكم ضيقة جدا ومبتذلة ....
ثالثا : لا تعتقد أن جلوسي معك الآن ... يعني أنني من بائعات الهوى ... ولا تفسر ابتسامتي بأنها شرك لأجذبك في الخطيئة ... ولا يخطر ببالك أنني ابتسمت إليك لاشتهائك أو رغبة مني لك
رابعا : أعلم جيدا أنك تتحدث مع فتاة ذات خلق ودين ................)

كانت تتحدث بعفوية ... سادت لحظات من الصمت ... قلت لها

( ... لست أدري ... ولكني أؤمن تماما ... أن الشيطان أستاذ الرجل وتلميذ المرأة ... ) أخذت تضحك
وواصلت حديثي ( وأؤمن كذلك بالمثل القائل ..يستطيع الشيطان أن يغوي رجل واحد في عشر ساعات .... وتستطيع المرأة في ساعة واحدة إغواء عشرة شياطين ..... ) انفجرت في الضحك ثم قالت .... ( ... نعم تستطيع المرأة أن تفعل ذلك إذا أرادت ... ولكن دعك من أمثالك الانجليزية ... ويكفيك قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا أقبلت المرأة أقبلت ومعها شيطان وإذا أدبرت أدربت ومعها شيطان )
وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية المرأة وخطورة دورها في المجتمع ... إذا صلحت المرأة صلح المجتمع ... وووو
لابد أن نراعي ذلك كله ونحن نصدر أحكاما على المرأة ....
أنا لا أدافع عن الاختلاط والابتذال ... والتبرج والعبث ...)
بعد فترة قالت محدثتي ( ألا ترى أننا تحدثنا كثيرا ... وحتى هذه اللحظة لم نتعرف على بعضنا ....)
رددت عليها وأنا سرحان ( معرفة الأسم ليس دليل على معرفة المسمى ) نظرت إلي متسائلة ....
واصلت حديثي ( مثال هذه الصحيفة ) كنت امسك بصحيفة دردشة ... ( رئيس تحريرها فائزة إبراهيم الريح .... فهل هذا يعني أنني أعرف فائزة هذه ؟؟؟ )
قالت الفتاة الجالسة أمامي ( على كل حال أدعى (( هناء محمد علي حماد )) طالبة بالسنة الرابعة كلية الطب .... )
( .... اسم والدك ليس غريبا عليا ... لا أدري أين سمعت بهذا الاسم ) وأخذت أفكر ....
قالت هناء ( والدي هو حاكم هذه المدينة ).....
شعرت بخوف غريب ... يا الله ... بنت الحاكم نفسه ... ما الذي رماني في هذه الورطة ... وأخذت أفكر بسرعة
لابد أن رجال الأمن يراقبون هذا اللقاء ... هل سيقبضون عليا ... هل مقدر لي الموت في هذا البلاد ... الله يلعن أبو الابتسامة
التي جلبت لي هذه المتاعب ... وأخذت أسب في سري وألعن ...
ولكن عندما نظرت في عينيها ... تبدد خوفي ... وتضاءل شكي ... أحسست أنني أعرفها منذ سنوات طويلة ...كانت عيناها تشعان بالبراءة والأمل ... وكانت ابتسامتها تبعث على الدفء والحنان ... شعرت معها براحة و طمأنينة.... رأيت فيها أمي وأخواتي ....
ووجدت نفسي أمام فرصة ذهبية ... سوف انتهز هذا الفرصة وأسال هناء عن أمور كثيرة في هذه البلاد الغريبة ....
لذلك كانت أسئلتي دون ترتيب أو تنسيق ... أسئلة متفرقة متبعثرة ... جاءت دون تنسيق ....
( أرجو منك أن توضحي لي كيف يتم الزواج عندكم .... ؟؟؟ )
استغربت من السؤال دون مناسبة ولما شرحت لها فكرتي وما أردت معرفته ...
ابتسمت واعتدلت في جلستها وقالت :
( أولا تكون هناك الخطوبة وهي إعلان عن مشروع زواج ...لا يلزم فيه الرجل بتقديم هدايا وتكون فترة الخطوبة أقصر ما يكون ...
ولا توجد ممارسات خاطئة في فترة الخطوبة ....
ثم يحدد يوم الزواج وعقد القران .... ) قاطعتها ..... ( ألا توجد شيلة ؟؟؟ )
قالت هناء مبتسمة ( توجد شيلة ولكن لا توجد عندنا تلك العادة القبيحة ... وهي تفريج أم العروس لنساء الحارة شيلة بنتها ... هذه خصوصيات لا داعي لنشرها .... و.... ) علقت ساخرا ( يعني ما في ما يسمى ماشين نشوف شيلة فلانة ؟؟؟ )
إجابتي ( الشيلة شيء خاص بالعروس وليس من حق أي امرأة أخرى مشاهدتها لتعرف ماذا أحضر رجل من ملابس لزوجته ... إنني أرى أنها عادة جاهلية ... )
( وكذلك أي أشياء أخرى ... فليس من اللائق أن نخبر الآخرين ... أن فلان أحضر سريرا ... أو خلاطا ...أو......
لا أعتقد أن هناك إنسان يرضي أن يسأله شخص كم سرير عندكم أو كم قميصا تمتلك ..... أو كم فستانا لدى زوجتك ....
بالمثل لا يسأل أحد في بلادي ... عن شيلة أحضرها رجل لزوجته ......
وواصلت هناء حديثها ( .... بعد تحديد يوم العرس ..يتم عقد القران في أقرب مسجد ...وتصنع وليمة غالبا ما تكون وجبة الغداء ... وتكون محدودة ومختصرة جدا ثم يذهب العروسان وينفض السامر .... ويتم الإعلان عن ذلك في الصحف والإذاعة والتلفزيون ... )
قلت هازئا ( الإذاعة عندنا تعلن عن الذين توفوا فقط ....أو خرج ولم يعد ... )
ثم واصلت حديثي ( .... في بلادي كل مراحل الزواج مناسبات ... الشيلة ... دق الريحة .... حنة العريس ... الصبحية وغيرها...
كل هذه المراحل عندنا... فرح وغناء وطعام وشراب ......ويجتمع الأهل والأقارب ....
نحن قوم نسي الفرح في حياته العادية ... و لذلك لا يصدق أن يجد مناسبة ما .... ليفرق فيها همومه وأحزانه ....
أصبحنا نسترق لحظات الفرح استراقا ونقيم لها السرادق والصيوانات .... لا ألوم قومي .... فإنهم معذورون .... )
سألت هناء ( هل توجد صداقة بين الجنسين ؟؟؟ )
( الصداقة بين الجنسين صداقة بريئة طاهرة لا توجد أهداف دنيئة منها تقوم على أربع ركائز : الصدق والإخلاص المودة والكرامة ... والصداقة لا تقوم على أساس أن نهايتها حب فزواج ... لأن هذا يجعلها صداقة ذات أهداف خاصة ... ولكن لا مانع من أن تنتهي الصداقة بزواج كأمر عادي ..... )

سألتها ( هل جربت هذه الصداقة .... )
قالت محدثتي ( .... أنا صديقة لأكثر من ثلاثمائة شاب ....)هززت رأسي متعجبا وكأني غير موافق على ذلك ...
( أسمعي يا أختاه ... لست من أنصار الصداقة بين الجنسين ....أينما توجد المرأة توجد دائما المشاكل والمصائب ....
لا تتوقعي خيرا من أنثى أبدا ......... )
سادت فترة من الصمت الرهيب ..... كانت هناء تنظر إلى البعيد .... وكنت أنظر خلفها .....
قالت لي هناء ( ....إذا أردت في بلادكم أن تهنئ شخص رزق ببنت ماذا تقول له .... ؟؟؟ )
ابتسمت لها ... هاهي الآن تسألني بعد أن كنت أنا من يسألها ...
ربما تريد أن تعرف شيئا عن بلادي ...
يحق لها لك ....
أجبتها ( .... في مثل هذه الحالات نقول (( اللي بجيبو الله كلو كويس )) أو نقول (( الله يجعلها من المستورات ))
أو نقول (( البنية مبروكة )) .... كانت هناء تكتب ما أقوله ...
( وإذا كان المولود ذكرا ..... ) سألتني هناء....
( أوووه ... (( يتربى في عزك )) ..... (( إن شاء الله يشيل اسمو )) ..... (( جعله الله عونا لك )) وغيرها من العبارات ....
ولا أخفيك سرا إذا قلت لك أن الفرحة بالمولود الذكر تكون أضعاف الفرحة بالأنثى ))
نظرت إليّ طويلا ثم قالت ( ... هل فكرت في هذه العبارات ... وماذا تعني ؟؟؟ ...
إنها تعني شيئا واحدا .....أن الفتاة مظلومة منذ لحظة ميلادها ...
و أنها تجلب العار والفضيحة لوالدها ولأسرتها .... لماذا لا نقول في حالة المولود الذكر (( جعله الله من المستورين ))
أنا لا أعترض على الدعاء نفسه ( جعلنا الله جميعا نحن البنات من المستورات ) لا أرفض السترة ولكن ...
أنت وغيرك لم يتلفظ بهذا الدعاء إلا وفي اعتقاده أن البنت تجلب العار والفضيحة ....
(( اللي بيجيبو الله كلو كويس )) تعزية أكثر منها تهنئة ...
(( البنية مبروكة )) ... البنية هذا التصغير للاحتقار والازدراء ويدل على امتهان الشيء ومدى تفاهته ...
على الرغم من أن الرجل هو المسئول الأول عن نوع الجنين ....
أرثى لبنات مجتمعكم فهن مظلومات ...... )
قلت لها بحزن ( .... نحن ما زلنا نؤمن أن الفتاة هي خادمة لأبيها وأخيها ثم زوجها وابنها فيما بعد ....
في مجتمعنا إذا أخطأ ولد وبنت ... تكون الفتاة أكثر عرضة للفضيحة ... ... )
( .... لماذا أليس الولد مشترك معها ؟؟؟ ) سألتني هناء
( نعم ... ولكن بطبيعة الحال ... الناس بعد أيام ينسون الولد ... ولكنهم يتذكرون الفتاة حتى مماتها ... وأحيانا بعد مماتها ... )
( لماذا يختلف الحكم والعقاب على جريمة واحدة ؟؟؟ )
( لابد أن تكون نظرتنا مختلفة .... فهل يعقل مثلا أن نعامل تأخير البنت ليلا كتأخير الولد ليلا .... ؟؟؟ )
صاحت في هناء ( لماذا ؟؟؟ ... ولد تأخر ليلا فتاة تأخرت ليلا ... لماذا لا يكون الحكم واحدا ؟؟؟ )
قلت لها مهاجما ( كيف تريدين أن أنظر إلى هذا الموضوع على حد السواء ؟؟؟ الرجل مهما فعل فهو رجل .... )
قالت هناء ساخرة ( ... يغني محمد جبارة (( نحن سر مأساتنا بتنا قولها قاصر .... ))
وتغني ماجدة الرومي (( إن الرجل الشرقي لا يرضي بدور غير أدوار البطولات ..... ))
يا عزيزي أنا لا أدافع عن الفتاة التي تتأخر ليلا ... و لا أطالب بخروج الفتاة ليلا ... لست معها أو ضدها ...
حتى أعرف سبب خروجها وسبب تأخرها ...ولكن أقول يجب دائما أن يكون حكمنا واحد على حد السواء .....
صرخت فيها ( أنت تهذين ... هذه خطرفات وخزعبلات .... )
هزت هناء رأسها وقالت ( احتمال ... ولكن في هذا المجتمع نرى ذلك ...)
قالت محدثتي هناء ( ... مجتمعكم ما زال ضحية للعادات والتقاليد البائدة ... نظرة المجتمع إلى المرأة من زاوية واحدة فقط وهي الشهوة وأن دورها يقتصر على أنها جسدا للملذات ...
السلوك الاجتماعي في بلادكم سلوك خطير ينم عن تخلف ثقافي وحضاري ...
وهو يقود بالنهاية إلى تدمير الحياة الاجتماعية وتفكيك العلاقة بين الجنسين ... وهو ناتج من عدة أسباب ...
منها أسلوب التربية الخاطئة... الأسلوب القمعي ضد المرأة في الشارع ...المعاكسة غير الأخلاقية .. فقر الثقافة ... الفراغ والتشرد ... هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ...
نجد التبرج وإظهار المفاتن والاختلاط غير المقنن والابتذال والسفور ...
المرأة بصفة عامة لا تحتاج لمعاكسة الرجل لتشعر بأنوثتها ......... )

قلت لها ( ... كلامك دا ما دخل في رأسي ولا يساوي ... عندي قطميرا ... )
( أنت محبط للغاية ... ) قالتها هناء
كانت تسود أحيانا فترات من الصمت ... قالت محدثتي هناء فتاة المدينة العجيبة
( هناك موضوع آخر لا يقل أهمية ... وهو انقسامات المسلمين وتبعثرهم ... أتابع حال البلاد الأخرى ... وأرى العجب العجاب ...
طوائف دينية .. طرق صوفية ... جماعات إسلامية .. أحزاب سياسية ... ( كل حزب بما ليهم فرحون ) ...
هذا الانقسام وذاك التشتت يجعل المسلمين أكثر ضعفا .. تختلف هذه الفرق المبعثرة مع نفسها أكثر مما تختلف مع أعداء الدين ....)
نظرت إليها دون أن أعلق ... كأنها تقصد ما يدور في بلادي الآن من الأحزاب ..
فبعد عامان من الانتفاضة ... ما زلنا نسمع عن أحزاب تتألف وأحزاب تنقسم ...
في كل صباح حكومة جديدة ومعارضة جديدة ... والنواب لا هم لهم إلا المكايدات ....
لا أدري هل كانت تعني بكلامها الأخير الواقع في بلادي ....
واصلت هناء ( ... أرى أن الدعاة إلى الله مسئولون عن فساد مجتمعاتهم .. تمام كمسؤولية المعلم عن فشل تلاميذه ....
لابد للدعاة أن ينفعلوا ويتفاعلوا مع أفراد مجتمعاتهم ... الدعوة والإصلاح... يجب أن تكون في كل مكان .... بيوت الأفراح وصيوانات المآتم ... ميادين الكرة ودور الرياضة والسينما أمام المتاجر والمطاعم وفي الشوارع ....
يجب ألا تقتصر الدعوة في المساجد فقط .... الجهد يجب أن يكون مضاعف خارج المسجد ....
كذلك يجب أن نعيد رسالة المسجد .....)
علقت على حديثها بسخرية مرة لاذعة ... ( ما زالت بعض مساجدنا تدرس في حلقاتها آداب الخلاء ... وفضائل الوضوء ....
وما زلنا نختلف حول طلاق السكران والشربوت .... وما زال البعض يتجادل حول آذان الفجر هل واحد أم اثنان ....
نحن على أعتاب قرن جديد وما زال البعض يختلف في أمور هامشية ...........................)

ثم قلت لمحدثتي هناء ( لقد استمعت إليك في كل ما قلتيه استماع الواعي ... ولا أخفيك القول أنني غير مرتاح لما يحصل في بلادكم ... وأتمنى من الله ألا تكوني أنت وقومك من الذين قال الله فيهم
((( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو أشد الخصام #
وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد )))...

قالت هناء ( . وأنا أرجو أن نكون أنت وأنا من الذين قال الله فيهم ((( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد )))

قلت لها ( .... لا أعتقد أن مجتمعكم هذا سيصمد حتى النهاية ... ولتعلمي يا هناء ...أن من يبني حقائق على أساس من الوهم والخيال سرعان ما يندك بنيانه وينهار ....
وأرى بعين الخيال أن مجتمعكم
هذا سرعان ما ينهار وأخشى أن ينقلب حالكم هذا ‘إلى جاهلية في كل شيء .... )
قالت هناء وهي تحاورني ( ... أتمنى ألا يتحقق هذا الحكم القاسي .... لأنه فعلا ستكون طامة كبرى .... )
قلت لها بتردد ( ...أرجو أن أكون مخطئا ...أرجو ذلك .... )
قالت هناء ( ... لعلنا سوف نلتقي مرة أخرى ... في مكان غير هذا المكان ... وفي زمان غير هذا الزمان
... ربما في أم درمان ... )
وقامت من جواري وهي تودعني وفي عينيها حزن عميق ... لحظات ووجدتني وحيدا ...
لم يكن في المكان أحد سواي
... هل كنت أحلم .... أم ماذا .... ناديت عامل الكازينو وسألته ... هل كان معي أحد ؟؟؟؟
وجاءني صوته من بعيد .... ولم أسمع بماذا أجابني .....................................


( 5 )

وجدت نفسي مرة أخرى أدور في شوارع المدينة ... ولا أنسى أن أذكر أنني كلما تقدمت أمتار تقف بجواري سيارة
ويدعوني صاحبها للركوب معه ليوصلني إلى وجهتي التي أريدها ... فكنت أشكره زاعما أنني وصلت مكاني ...
وهو لا يعلم أنني لا مكان لي ولا محل لي من الإعراب في هذه المدينة ....
لفت انتباهي لوحة كبيرة على مبنى كبير جميل ... منقوش عليها (( قسم شرطة ............ )) .
دار في خاطري .... ما حاجة هؤلاء القوم للشرطة ... وقد عرفوا ما لهم وما عليهم ...
هل توجد هنا مشاكل ... حوادث وجرائم حتى خصصوا لها قسم بهذا الحجم ...
دخلت مباشرة فوجدت شرطي برتبة ملازم ... قابلني بأدب واحترام ... وسألني إذا كنت بحاجة إلى مساعدة...
فشرحت له سبب زيارتي ... وهو ما دار في خاطري عند رؤيتي لقسم الشرطة ...
فأجابني أن هذه الأسئلة وغيرها من شأن رئيس القسم ... وطلب مني الانتظار حتى يستأذن لي بالدخول ...
جلست أقلب بصري في المكتب ... كانت هناك لوحة مكتوب عليها ( الشرطة في خدمة الشعب )
نظرت إليها هازئا ... متهكما ... أي شرطة هذه هي التي في خدمة شعبها ...
بل الشعب المغلوب على أمره هو من في خدمة الشرطة...
جاءني بعد لحظات وطلب مني أن أتبعه لمكتب آخر ...
وجدت به ضابط برتبة عقيد أم عميد لا أذكر جيدا...
استقبلني الرجل بكل سرور وطلب لي شاي ...
وبعد دردشة بسيطة ... قال لي
( ... الحقيقة لا عمل لنا هنا ... نحن نقضي يومنا في قراءة الصحف والمجلات ... لا شيء يذكر ...
أحيانا تكون هناك بعض الأعمال الصغيرة ... والمشاوير الخارجية ...
( مثل ماذا ؟؟؟ ) كان هذا سؤالي ...
( هناك بعض البلاغات ......... ) قاطعته ( ... بلاغات ؟؟ ) وكأنني وجدت تمرة الغراب !!
( ... ممكن أعرف عنها حاجة ؟؟؟؟ )
( ..... بكل سرور ... ) قالها وهو يقوم من مكانه ....
وأكمل جملته ( .... سوف أحضر لك بعض الملفات ) ...
قلت في نفسي ... ها أنا استطعت أن أنهي أسطورة هذه المدينة ...
إنني الآن استطيع أن أعرف جرائمهم ...
إنهم يرتكبون الجرائم من قتل وسرق وخطف ...
كأني سعيد بهذا الانجاز ... سوف أقابل هناء واسخر منها ومن مدينتها ...
أعلم تماما أن الشر موجود ... كنت متأكد أن هذه المدينة كغيرها من مدن العالم ....
لقد كدت أن أفقد عقلي ... ( منازل بلا أبواب ) ... ( باصات بلا كماسرة ) ...
( ومتاجر بلا رقيب أو حسيب )
وفتاة لها مئات الأصدقاء ...
كاد عقلي يطير مما رأيت هذا اليوم ... التاجر يقول لي ... ضمائر وحقوق ومحاسبات وهلماجرا
وتأتي الفتاة وتقول لي ... صداقة ... وحب... وعدالة ...
من أين أتي الفساد إذن ...
كنت متأكد أن ما بهذه المدينة من عدم الانضباط ... والانحلال ما بأي مدينة أخرى ...
هذا على الرغم من أنني لم أمكث بها يوما كاملا ...
فكيف لو قضيت أسبوع أو شهر ...ربما اكتشف عجائب وغرائب
قد اكتشف أن مرضا كالايدز مثلا موطنه الأصلي هذه المدينة ...
جاءني الضابط وهو يحمل بعض الملفات ...
( تفضل هذه بعض الملفات لتعرف نوعية البلاغات التي تأتينا ...)
أخذتها منه وأنا أقول ( أشكرك على هذا التعاون ...)
وبدأت أتصفح الملفات وقلبي يرقص لأنني سوف أعرف جرائم هؤلاء القوم
أين أنت يا هناء ... تعالي وأقرئ معي ...

مجرد أن قرأت صفحتين حتى أصابني دوار ...
وأحسست أن الأرض انشقت وانطبقت عليا ...
هذا بلاغ بوجود شنطة نسائية سوداء ...
هذا بيان عن العثور على ساعة لا يعرف صاحبها
هذا بلاغ عن وجود قلم رصاص ...

بلاغات عن أشياء مفقودة وجدت في مكان ما ولا يعرف أصحابها ....
أو بلاغات عن فقد أشياء من أصحابها ...
هكذا قال لي الضابط ...
سألته ... هل كل الملفات بهذه الصورة ... أجابني .. نعم
وأجدني أقوم من جواره وأنا أتمتم بعبارة شكر ....
وأنا أجرجر أذيال الخيبة


( 6 )

رأيتني داخل مسجد لأصلي العشاء ... كان يجلس بجواري شيخ كبير يتلو سورة الأعراف ... كان جميل الصوت ... كنت أختلس النظر إليه ولعله راني ... وضع المصحف ... وأتلفت نحوي ... ملاحمه لم تعجبني ... كان ذا ابتسامة صفراء ونظرات مميتة ... مال نحوي وهو يحرك مسبحة بيده ... وهمس قائلا ... ( أنت غريب عن هذه الديار ؟؟ ... ) رددت بنعم واصل كلامه ..( لقد شعرت بذلك ... ورأيت كثرة تلفتك ونظراتك الذائقة ... فعلمت أنك غريب ... أنا أيضا غريب عن هذه البلاد .....)
همست له ( ... أهلا بك ...)....
وبسرعة خطر لي خاطر وهي أن أبادره بالأسئلة حتى أعرف رائه حول هذه البلاد ...
وهل لاحظ مثلي نفس ما شاهدت صباح هذا اليوم أم أن الأمر مختلف ...
كنت أريد أن أعرف رأي أول شخص ليس من المدينة غيري ...
سألته ( من أين بلد أنت يا شيخ ؟؟ ) ... ..
( ... بلاد الله واسعة ... ) .... قالها مبتسما ....
لم تنجح محاولتي الأولى ...ولكني لم أيأس ... واصلت طرح أسئلتي ... ( ما سبب وجودك هنا )
قال الشيخ الغريب ( ... هذه قصة طويلة ... كنت قد أرسلت تلاميذي وأتباعي إلى هذه المدينة للقيام بدورهم الطبيعي في الحياة ...
من نشر تعاليمي ...)
حسبت الرجل شيخ طريقة صوفية ... أو صاحب خلوة لتعليم القرآن ...
واصل حديثه .... ( ... ولكنهم فشلوا جميعا ... بل إن بعضهم لم يرجع لي ... وفضل التخلي عني ...
لذلك رأيت من الحكمة الحضور بنفسي ... لأرى هذه المدينة التي عجز أتباعي فيها عن أداء دورهم ...
ولا أكتمك القول ... أنني أول مرة أصلي في حياتي ...!!!! فمنذ أن وطأت قدماي هذه المدينة
حتى وجدتني كلما رفع آذان للصلاة أدخل أقرب مسجد للصلاة .....)
أثارني هذا الاعتراف .... وقلت له باستنكار ( ماذا ؟؟..... أول مرة تصلي ؟؟؟؟.... لقد حسبتك لما حدثتني عن الأتباع والتلاميذ أنك صاحب خلوة ...أو شيخ طريقة )
ضحك الرجل بملء فيه ...حتى لفت أنظار المصلين إلينا ....ودهشت حتى فرغ من ضحكه ...وقال وهو يغالب الضحك
( ... صاحب خلوة مرة واحدة ... ) وانفجر مرة أخرى في الضحك حتى وقعت عمامته ...( ... شيخ طريقة !!! لا دي حلوة وجديدة.....)
قلت له وقد تغير صوتي ( ... ماذا حدث ؟؟ ولماذا تضحك ؟؟ ) ...
قال ... ( إنك ساذج جدا يا هذا ... ما اسمك ؟ ... لا يهم ...لا يهم ....نعم أنا بالفعل صاحب طريقة ...
معك الحق أنا شيخ كبير في قومي
عزيز ... مهاب الجانب ... مطاع الكلمة ... يخافني الصغير والكبير ... أوامري مطاعة ... وإشارتي مجابة ....
أنا ديكتاتور عظيم ... وإمبراطور كبير... وملك جليل ....
إنني منذ أن جئت إلى هنا ... حتى كدت أن أنسى نفسي ... لا أستطيع أن أجدني في هذه المدينة ....

( هل تعلم من أنا ؟؟؟؟؟؟؟ )
( ... لا أعرف !! ... ) ....
( أنا إبليس ) ....... ( ماذا ؟؟؟؟؟ )
( أنا أبيس عليه اللعنة ... ) ونظر لي نظرة أطارت قلبي ....
أحسست أن الأرض تدور بي ... ورأيت سقف المسجد يدور من فوقي ...
وشعرت بنفسي في عالم آخر .... وسمعت صوته يأتيني من بعيد .....
أخذت أقرأ جميع الأدعية والآيات التي أحفظها ... وأحسست بقشعريرة ... ورجفة لا أدري لها سبب ...
كانت أوصالي باردة ...
وجدت نفسي في ساحة المسجد ...
وهذا الرجل بجواري وهو يرش عليا بعض الماء ويربت على كتفي ... وسمعته يقول
( أهدأ ... أهدأ ... لا تخف .... )
وأخذت أردد إن الله يدافع عن الذين آمنوا ...مرات ومرات .....
وعندما فتحت عيناي ... رأيته يبتسم لي ....
قال لي ..... ( سوف أحكي لك قصتي يا بني ......)
عندما سمعته يقول بني كادت عيوني تقفز من وجهي ... حملقت فيه دون أن أفتح فمي ...
أدرك خطأه ... فقال مرتبكا ( ... لا أقصد ... معذرة ... عفوا ....
سوف أحكي لك قصتي .... بدأت القصة عندما وصل إلى مسامعي ... أن هناك مدينة لا يرتكب أهلها معاصي ...
طبعا ... لم أصدق بادي الأمر ... قلت في نفسي ... يا ولد يا إبليس ... دي مجرد إشاعات ...
لا يمكن أن تكون هناك بلاد خالية من الذنوب ...
ولكن أخذت الأخبار تكثر وتتزايد ...
كل صباح خبر جديد ...
ولعلك تعلم أننا معشر الشياطين لا نعلم الغيب ...
قررت إرسال بعض الصبية والصغار من أتباعي ...إلى هذه المدينة
فكانوا لا يرجعون ....أرسلت غيرهم
والنتيجة ...لا أحد يعود ...لا أدري أين يذهبون ؟؟
لا أكتمك القول ...شعرت أن الأمر خطير ...فعقدت اجتماع لكبار الشياطين
وكونت وفد رفيع المستوى من كبار الشياطين والأبالسة
وبالفعل ذهبت نخبة من جهابذة القوم إلى هذه المدينة....
وانتظرت النتيجة ....
رجع بعضهم واخبرني أن هذه البلاد لا تخضع لوسوسة الشياطين ولا همزهم ولمزهم ...
عندها أعلنت حالة الطؤاري القصوى ... وعقدت مجلس الحرب ... وأصبح مقر رياستي
( البيت الأحمر ) كخلية النحل ... وفود داخلة ووفود خارجة ...
وعقدت آلاف الاجتماعات
وعقدت عشرات الكورسات والسمنارات والندوات والمؤتمرات الصحفية ....و .... و ....,وووو
ودعوت الفنانات والممثلات والراقصات والداعرات ...والدجالين والمشعوذين
من كافة البلدان ... وغزوت هذه المدينة بهم جميعا .....
إذا كان في نيتك تدمير مجتمع ما أخلاقيا ... فعليك بالإعلام ...
الإعلام الفاسد ... يفعل ما لا تفعله الجيوش الجرارة ...
المسلم الواعي منكم يقول عنه ( شغل يهود )
ولكنه في الحقيقة شغلي أنا ....
أنا وراء كل وسيلة إعلام فاسدة مخربة
أرجع لموضوعنا .... ماذا حدث بعد ذلك ....
كنت في كل صباح ... أسمع أن الراقصة .... أعلنت توبتها
وأن الممثلة .... تابت إلى الله
(((بالفعل أعلنت بعض من الفنانات في دولة مجاورة التمثيل )))


وواصل حديثه ( لقد أصبحت توبة الفنانات والراقصات حديث الشارع ....
أما مردة الشياطين فمنهم من هرب ... ومن من تاب ...
ومنهم من عاد ....
وفي النهاية قررت الحضور بنفسي ...لأرى هذه المدينة....
و صدقني ... لقد نسيت نفسي في هذه الديار ...
نسيت أنني إبليس عليه اللعنة .....
ألا ترى كيف ألعن نفسي رغم إرادتي ...
اعترف لك وحدك ... أنني عاجز تماما عن إضلال هؤلاء .....
وسوف أنتهز أول فرصة وارجع لبلادي .... قبل أن ينقلب التاريخ رأس على عقب ....
لا أدري كيف سيكن موقفي عندما أعود لدياري ... وأنا أحمل مسبحة في يدي ...!!!!!

عندها أقيمت الصلاة ... فدخلنا إلي داخل المسجد ....
وأسرع هو بخطوات سريعة للصف الأمامي ...
بينما كنت في شبه غيبوبة ... ولا أدري ماذا قرأ الأمام في صلاته .......
وبعد أن قضيت الصلاة ... بحثت عنه .... فلم أجده .....
أكاد لا أصدق ...
لقد كنت أتحدث معه ... عليه لعنات ربي ....
لقد كان يتلو بجواري سورة الأعراف ....
لقد اعترف لي عن عجزه في إغواء أهل هذا البلد ....
ولعن نفسه أمامي مرتين ....
لقد استمعت وحدي لاعترافاته ....
لقد صدقني القول وهو كذوب ....
أكاد لا أصدق ...
إن مدينة لا يدخلها الشياطين إلا عابري سبيل ...
لهي في اعتقادي مدينة يسكنها الأنبياء والملائكة ....

( 7 )

مجتمع شعاره ... أتق الله حيثما كنت ...
فتقوى الله هي العمود الفقري لكل سلوكياتنا في الحياة ...
مجتمع شعاره ... خالق الناس بخلق حسن ....
فالدين المعاملة ... ولا تقتصر المعاملة مع الإنسان فقط ...
بل مع الناس والحيوان والجماد...
مجتمع شعاره ... أن تسعى في حاجة أخيك ..خير لك من صلاة ألف سنة
مجتمع شعاره ... فضيلة الإيثار وحب الغير ...
فمتى ما وجد الإيثار في مجتمع ... تكاتف أفراده وتماسك سكانه
ويكون الإيثار من ركوب المواصلات وما هو أتفه من ذلك بكثير ...
إلى الإيثار في صفوف الصلاة ....
كأن تقدم غيرك للصف الأول ...لا رغبة منك في الأجر...
ولكن إيثارا له وحبا ...
مجتمع يمكن أن يوجد في كل مكان وفي كل زمان ...
مجتمع أفراده متعددي الجنسيات و اللغات والأديان ...
فليس حكرا على صنف من البشر دون آخر
لا لون ... لا لغة ... لا جنس ...
مجتمع يعمه التعاون والتعاضد ... ويغمره الحب والمودة...

***** ***** *****

وعندما رجعت لقومي ... ورويت لهم ما حدث
وقصصت عليهم ما شاهدت ...
انفضوا من حولي وهم يتصايحون ...
أضغاث أحلام ...
إن هذا لشيء عجاب
ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ......



** النهاية **

محمد علي حماد
أم درمان
17 يوليو 1987م





avatar
هناء العم
عضو جديد
عضو جديد

احترام قوانين المنتدى : 100

عدد المساهمات : 4
نقاط : 10234
تاريخ التسجيل : 22/11/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: 24 ساعة مع الملائكة

مُساهمة من طرف النفر في السبت 08 ديسمبر 2012, 7:25 am

حياك الله أختى هناء العم ومرحبا ً بك فى منتداك وبين إخوتك والدار دارك ... رواية رائعة وخيال واسع ... نحن فى حضرة كاتب وروائى متفرد ومميز ... نتطلع للمزيد من مشاركات الأخ محمد على حماد ونتمنى له مستقبلا ًباهرا ً فى مجال الأدب والرواية _
تقبلى تحياتى ،،،
avatar
النفر
V.i.P
V.i.P

احترام قوانين المنتدى : 100

عدد المساهمات : 3225
نقاط : 21497
تاريخ التسجيل : 08/06/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى