المناصير بلدي
الزائر الكريم مرحبا بك في منتدى المناصير بلدي
ان لم تكن مسجلا فيرجى الضغط على زر التسجيل وملء بياناتك لقبول عضويتك

كيف أتعامل معك عندما أختلف معك؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كيف أتعامل معك عندما أختلف معك؟

مُساهمة من طرف mustafa omer Elhassan في الثلاثاء 04 أكتوبر 2011, 2:18 pm

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أهلاً بكم، ولنكمل سويا "دعوة للتعايش"، دعوة للحوار، دعوة للتفاهم بين بعضنا البعض، دعوة لبناء الجسور بين بعضنا البعض عوضا عن بناء السدود، دعوة لتقريب المسافات بين بعضنا البعض، دعوة أن يتفاهم بعضنا البعض إن اختلفنا - وهو مؤكد ما سيحدث- لأن الله قد خلقنا مختلفين عن بعضنا البعض.

هدفنا من هذه الحلقة:
حلقة اليوم عن أبي حنيفة أيها الناس تُعَلِمُنا قاعدة هامة جدا، وأتمنى من الناس أن تُدَوِّن هذه القاعدة وتتذكرها عند روايتنا لحكايات كثيرة عن أبي حنيفة – وهي ليست مجرد رواية حكايات-. هذه القاعدة هي: "كيف أتعامل معك عندما أختلف معك؟" إذا اختلفت معك وأريد أن أقنعك بفكرتي أو لاتقاء شرّك، أو لحل المشكلة، فكيف أتعامل معك؟ ما هي تلك الطرق في التعامل؟ وذلك لأن أبا حنيفة يعد مثالا رائعا يساعدنا في معرفة كيف أتعامل معك إن اختلفت معك؟

وسنذكر هنا خمس نقاط؛ تمثل هذه النقاط الخمس طرق التعامل عند الاختلاف. هذه النقاط نابعة من اجتهادنا. وسنطبق هذه النقاط الخمس على أبي حنيفة ونرى مَن مِن الشباب والبنات يُدَوِّن هذه النقاط ويستطيع تطبيقها بنية "...لِتَعَارَفُوا..." سورة الحجرات الآية رقم 13 ؟ وبنية جمع الكلمة؟ وبنية أن نتآلف مع بعضنا البعض؟ وبنية أن المسلم أخو المسلم؟ وبنية "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ..." سورة الحجرات الآية رقم 10؟ وبنية "...فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ..." سورة الأنفال الآية رقم 1 ؟ أخذا في الاعتبار هذه النوايا، مَن سيتلقف كل هذا الكلام ويقول " سأُصلح أنا"؟ إن إصلاح ذات البَيْن، وأن تصلح بين الناس من أعلى المراتب عند الله سبحانه وتعالى في الثواب أيها الناس، لأن الأصل في الأمر هو إعمار الأرض، وبالتالي إذا كان هناك إفساد في الأرض وخلاف وتقطيع أرحام، "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ"؟ سورة محمد الآية رقم 22. فقد ربط الله تعالى هنا بين الإفساد وتقطيع الأرحام. إن مهمتنا في هذا البرنامج لَمْ الشمل.

السبب وراء أفكار أبي حنيفة ودليل صحتها:
لاحظ أبو حنيفة أن هناك مشكلة. المشكلة هي أن التغيرات سريعة جدا، وأن عدد الآيات القرآنية والأحاديث محدود، وأما الأحداث فغير محدودة العدد؛ فالأحداث تأخذ مجراها دائماً. ومع صحة القول أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، فَفَكَّر أبو حنيفة كيف يستنبط من الآيات محدودة العدد لكي يواجه الأحداث غير محدودة العدد؟ إن القرآن صالح لكل زمان ومكان، فمع استخدام عقولنا، ينبغي أن نستخرج من الآيات محدودة العدد ما يناسب الأحداث غير محدودة العدد. فَفَكَر أبو حنيفة أن يبني فقهه على القرآن والسنة، فإن لم يجد فيهما ما يناسب الأحداث، فسيأخذ بما يسمى "الرأي" والمقصود به الرأي المحمود أي الاجتهاد، فيجتهد أبو حنيفة ويستخدم عقله في الاستنباط من الآيات والأحاديث كي يواجه الأحداث الهائلة التي تقع في العراق. فأنشأ أبو حنيفة "الرأي" أو "الاجتهاد" -ولم يكن موجوداً من قبل- . وأما باقي العالم الإسلامي فلم يكن على شاكلة بغداد التي تتغير على نحوٍ سريعٍ جدا، فلم يتخيل باقي العلماء أنه يصح لأبي حنيفة التصريح بهذا الكلام. فقد أتى أبو حنيفة بكلامٍ جديدٍ وكان يمتلك الجرأة لذلك. كان يرى أنه يجب علينا أن نجتهد، فجزاه الله خيرا فبذلك قد سَدَّ الفجوة التي هي بين أحداث الحياة وبين الدين.

أحاول هنا فقط أن أبين لك الصورة كي أريك كيف سيتعامل أبو حنيفة مع هذا الأمر. فقد أتى أبو حنيفة بكلامٍ جديدٍ كـ"مدرسة الرأي"، و"الفقه التقديري"، والتصور للمستقبل - وهو ما لم يتقبله العلماء لعدم معرفتهم بما يحدث في العراق-. وكانت "مدرسة الرأي" عبارة عن مدرسة فقهية مُجَمَّعَة ولم يكن الرأي فيها رأي فرد واحد أو رأي شخص يسمى أبو حنيفة، وإنما رأي مدرسة تسمى "مدرسة الرأي"، يفكر بها العلماء مع بعضهم البعض مع حرية التعبير عن آرائهم.

عادةً تحب عقول الناس أن ترى ما تفهمه، فإن رأت ما لم تفهمه - حتى وإن كان صحيحا- فلا تستطيع أن تتقبله بسهولة. وما جاء به أبو حنيفة كالفقه التقديري والرأي والاجتهاد هو ما نأخذ نحن به حتى يومنا هذا. ولكن وقتما صرح به أبو حنيفة، كان كلاما جديدا على العقول أن تفهمه. فالناس عادةً تحب أن ترى ما رأته قبل ذلك كي توافق عليه وتقيس هذا على ذاك. ولكن من أين أتى أبو حنيفة بهذا الكلام؟ انتبهوا هنا، لأنه قد يقول البعض أن كلامه يبدو فعلا غير صحيح! أتى أبو حنيفة بهذا الكلام من الصحابة، وقد بنى فكرته كلها على حديث صحيح هو أنه عندما أرسل النبي سيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له: "بماذا سَتَقْضي يا معاذ؟"، قال: "بكتاب الله". فقال له النبي، وانظر هنا إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرسم خطًّا يسير عليه أبو حنيفة: "فإن لم تجد؟"، قال: "فبسُنة رسول الله". قال: "فإن لم تجد؟"، قال: "أجتهد رأيي ولا آلُ" و" - أي أبذل كل جهدي ولا أقصر في الاجتهاد-، فابتسم النبي وضرب على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يُرْضي رسول الله" أي صحيح كلامك يا معاذ. فقال أبو حنيفة لِمَن أنكر عليه فِكْرُه: "لماذا تنكرون علي هذا وهذا هو ما ورد في الحديث؟!"

وحقيقةً، لماذا أنكر العلماء فِكْرُه مادام النبي قد قال ما قال سابقا؟ لم يتخيل العلماء أن هناك من يصلح أن يجتهد عدا الصحابة. وإن لَحِقناهم نحن وجئنا من بعدهم، فلا نجتهد، فكان أبو حنيفة يرى أنه لو توقف عند هذا الحد وظل في مكانه ولم يفكر للمستقبل فسوف يُقضى عليه ويبتلعه الطوفان ولن يكون للإسلام مكانا؛ فهناك تغيرات قوية مثل حركة الترجمة والعقائد المختلفة ومن يجلب من الناس أفكارا أخرى على بغداد. فكان يرى أنه عليه أن يجتهد ويتصور للمستقبل حتى يتماشى الإسلام مع الواقع ولا يتأخر عن الحياة، فإذا تأخر الإسلام عن الحياة يكون نتيجة ذلك أن يبعد الناس عن الإسلام ويَعُدُّوا كلامه كلاما قديما.
هل تخيلتم الوضع الآن؟

الاتهامات التي وجهت لأبي حنيفة:
الآن، ماذا سيقال عنه؟ وما الذي سيَتَعَرَّض له أبو حنيفة؟ قيل عنه إن أصله فارسي – وهو فعلاً أصله فارسي- جاء ليُخَرِّب الإسلام. وقيل عنه إنه زنديق. لقد قيل عنه كلام شديد الصعوبة. وتخيل أبا حنيفة صاحب أكبر مذهب يُتَّبَع في العالم الإسلامي ومن كبار الأئمة يتعرض لهذا الكلام! ولكنهم كانوا يجهلونه ويجهلون قيمته. وقيل عنه إنه من "المعتزلة" - أي من الفرق المنحرفة فكريا- في ذلك الوقت. وقيل عنه إنه من المُبهِئَة. كما قيل إنه من الخوارج على الرغم من أنه من أشد من حارب الخوارج! فقد قيل عنه كل شيء. قيل عنه إنه فاسق وقد تاب ثم ارتد مرة أخرى. هل تدري عمن أتكلم هنا؟ أتكلم عن أبي حنيفة! ولماذا كل ما حدث هذا؟ لأنه أتى بكلامٍ جديدٍ. حتى إنه قيل: لو كان أبو حنيفة قد خرج على المسلمين بالسيف لكان أهون مما خرج به. هذه كانت صورة الخلاف آنذاك. تخيل هذه الصورة ! وأبو حنيفة له كلمة جميلة جدا مدافعا عن نفسه يقول: "كَذبَ والله وافترى من قال إننا نُقَدِّم الرأي على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. نحن لا نفعل ذلك، إنما آخذ بكتاب الله ثم سنة رسول الله ثم الرأي..." إلى آخر هذا الكلام. هذه كانت طبيعة الموقف في ذلك الوقت.

الأنواع المختلفة من الناس الذين هم على خلاف معك:
ماذا ستفعل مع المختلفين معك؟ سنطبق هذا الكلام في حياتنا وعلى أنفسنا أولاً ثم نعاود الكلام عن أبي حنيفة. المختلف معك هو نوع من عدة أنواع: إما شخص لديه عقل وعلم وفهم وهو مختلف معك لأنه لا يفهم وجهة نظرك. فإن فهم وجهة نظرك سيتفهم ويحترم، وهذا شخص عادل وصادق. أو هو عالم ذكي يفهم ولديه عقل. أو شخص طيب ولكن ذو قدرة عقلية محدودة ومختلف معك، فكيف ستتعامل معه؟ أو شخص لديه عقل ولكن لا يفهم الكلام النظري فهو يحب أن يشاهد التطبيق العملي. فإن لم تُرِه ما هو عملي، وظللت تشرح له كلاما صحيحا مدة مئة سنة لن يفهم كلامك. والنوع الآخر، هو شخص مهما حاولت أن تُفهِمه، فهو لا يريد أن يفهم؛ فهو شخص حاسد وحاقد وشاتم ذو لسان بذيء، فكيف ستتعامل معه؟ وإما أنه شخص ذو قوة مختلف معك ويريد أن يُرغِمَك على فكرته رغما عنك. وهناك من هو من عامة الناس فهو لا علاقة له بتلك الأحداث ولكنه أحمق يتصرف تصرفات غبية ويكون مختلفا معك، فيغضبك غضبا شديدا، فكيف ستتعامل معه هو الآخر؟ هذه هي الأشكال المختلفة للعقول وطريقة فهم الناس؛ فهناك من يفهم النظرية، وهناك من يفهم بالطريقة العملية، وهناك من يفهم بصعوبة فيجب أن تتحايل كيف توصل له الفكرة؟

سنجد أن أبا حنيفة يتعامل مع كل هذه الشرائح لأن البيئة التي خرج منها اختبر بها كل شيء، كما أن الجو الذي خرج منه متلاطم بالأمواج، فلنتعلم نحن منه التعايش ونتعلم كيفية التعامل مع من هو على خلاف معي.

لماذا نتآلف مع المختلفين معنا؟
وقد يقول البعض: "فليكن مختلفا معي ولن أتعامل معه" ولكن الإسلام ينص على "...أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ...". إنه ليس فضلاً منك إن تعاملت مع الناس ولكنه فرضا عليك. إن ألفة المسلمين أعظم أركان الشريعة الإسلامية ولا يوجد أمر شرعي في الإسلام إلا ووراءه هدف من أهداف الألفة. لماذا تعد النميمة والغيبة حراما؟ لماذا الطلاق يعد أمرًا شديد الصعوبة حتى يتم؟ لماذا وجدت صلاة الجماعة؟ ولماذا صلاة الجمعة في المسجد؟ لماذا كل هذه الأمور؟ وما الهدف منها؟ وراء كل ذلك هو أن الشرع مبني على ألفة المسلمين. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة و الصيام و الصدقة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : إصلاح ذات البين" أي من يصلح بين الناس وبعضها البعض.

إنه ليس فضلاً منا ولكن التعايش والألفة واجب علينا. هل تسمعون أيها المسلمون؟ ثم قال: "...فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين". "فساد ذات البين" أي الوقيعة والمشاكل والاختلاف الذي يؤدي إلى صراع بين الناس يأكل من ديننا. لهذا قمنا بعمل هذا البرنامج.

طرق التعايش والتعامل مع أنواع الناس المختلفة:
نعود لأشكال عقول الناس المختلفة ونريد أن نتعامل مع كل هذه النوعيات ونتعلم من أبي حنيفة. هناك خمسة طرق للتعامل مع الناس إن اختلفت معهم. قد يبدو الكلام صعبا ولكن سوف نيسره لاحقًا:
أولاً: المنطق العقلي، وذلك للناس الذين يريدون أن تتكلم معهم بطريقة عقلية، فلنقنعهم بطريقة عقلية ونتعلم من أبي حنيفة.
ثانيا: المنطق العملي، وهو لمن لا يفهم إلا إذا شرحت له بتطبيق عملي. ولنتعلم من أبي حنيفة عندما نأتي للأمثلة.
ثالثا: التحايل الذكي، قد يقول البعض: "أنا مع الحق ولا يوجد ما يسمى بالتحايل الذكي، وإنما ما تعارفنا عليه". سنرى كيف استخدم أبو حنيفة التحايل الذكي مادام لم يُخِلّْ بثابت من الثوابت.
رابعا: الصبر والحلم، لا يصح غير أن تصبر وتتحلى بالحلم مع بعض الناس. إنك على اختلاف معه، ولكن أفضل حل معه هو أن تتحلى بالصمت وتَحْلُم عليه.
خامسا وأخيرا: الثبات على المبدأ، كيفية التعامل مع الشخص المختلف معك، والذي يريد أن يجبرك بالقوة على فكرته هو أن تثبت على ما أنت عليه، فتكسب.
هذه هي الطرق الخمسة في كيفية التعامل مع شخص إذا اختلفت معه حتى تكون متعايشا، وحتى تصلح ذات البين وتحقق الألفة. لندرس كل نقطة من النقاط الخمس ونعيش معها ومع أبي حنيفة. سنحكي عن أبي حنيفة ولكن ليس من أجل سرد الحكايات ولكن من أجل أن تتعلم أنت كيف تتطبق هذه النقاط مع أصدقائك؟ وكي تفكر في طريقة تطبيقها؟

سوف نكتسب في هذه الحلقة مهارة بِنِيّة، حتى وإن كانت نية دنيوية كي تحصل على وظيفة وتنجح في الحياة. فأبو حنيفة لم ينجح في الحياة إلا بهذه القدرات ومنها "كيف أتعامل مع من يختلف معي؟" وذلك للدنيا وللآخرة. وللآخرة كي تصلح في الأرض وتؤلف بين الناس ومن أجل تآلف بلادنا ومجتمعاتنا ونحل المشاكل بها. وإن شاء الله يا شباب، نكون قادرين على تطبيق هذه النقاط الخمس. فأنا على يقين أن هناك شباب وبنات سيدونون هذه النقاط الخمس وبعد الحلقة يقررون تنفيذها.

mustafa omer Elhassan
ملـــــكي
ملـــــكي

احترام قوانين المنتدى : 100

عدد المساهمات : 2024
نقاط : 18060
تاريخ التسجيل : 19/10/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كيف أتعامل معك عندما أختلف معك؟

مُساهمة من طرف نجلاء زمراوي في الأربعاء 05 أكتوبر 2011, 4:47 am

شكرا اخي مصطفي وجزاك الله الف خير والله يعيننا علي تطبيق ما نقرؤه ونسمعه

نجلاء زمراوي
عضو ماسي
عضو ماسي

الأوسمة عضو ماسي

احترام قوانين المنتدى : 100

عدد المساهمات : 2265
نقاط : 15914
تاريخ التسجيل : 10/03/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كيف أتعامل معك عندما أختلف معك؟

مُساهمة من طرف mustafa omer Elhassan في الأربعاء 05 أكتوبر 2011, 5:41 pm

لتعامل مع بعض الناس بالمنطق العقلي:
لنبدأ في شرح كيفية تعامل أبي حنيفة مع كل نوع من أنواع الناس. النقطة الأولى، "ماذا تفعل إن اختلف معك شخص ذو عقل؟ - أي رجل عاقل صاحب عقل ورأي-. وسأضرب لكم المثال الأول: فكما تعلمون أنه انتشر عن أبي حنيفة أنه ضد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يختار الرأي. ومن قال هذا الكلام فقد نقل كلاما خاطئا عن أبي حنيفة. ووصل للحجاز أن هذا الرجل (أبا حنيفة) يُفسِد في الدين وأنه يُقَدِّم رأيه الشخصي على حديث النبي كما إنه يقيس، أي يقيس ما يراه عقله صحيحا مع حديث النبي ثم يأخذ بما يراه عقله صحيحا حتى وإن كان حديث النبي يصرح بعكس ذلك. ولكن الواقع هو عكس هذا الكلام والواقع أنه لا يأخذ برأيه إن تعارض مع حديث النبي. وقد ذهب الإمام أبو حنيفة لتأدية مناسك الحج وقابل هناك الإمام محمد الباقر- وهو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم- فرآه الإمام محمد الباقر هناك ووجه له كلاما في منتهى الشدة فقال له: "أنت الذي غَيَّرت دين جدي فقَدَّمت القياس على أحاديث جدي؟ - و"قَدَّمت القياس" أي تقيس بالرأي-.
فقال أبو حنيفة: "ما فعلتُ".
قال الإمام محمد الباقر: "بل فعلتَ". قد تكون لنا رؤية لأناس ونحكم عليهم قبل أن نسمع منهم ونتواصل معهم.
فقال أبو حنيفة: "يا إمام، هلا جلست حيث تحب حتى أجلس حيث أحب؟" فجلس الإمام محمد الباقر على ما يشبه الكرسي أو الأريكة، فجاء أبو حنيفة وقال له: "أنت جلست حيث تحب وأنا أجلس على الأرض حيث أحب أن أكون بين يديك".

انتبه هنا وإياك أن تعتقد أن المنطق العقلي كلام نظري فحسب، فلابد أن تمس القلب ولابد أن تتواضع لمن هو أمامك. ما هو هدفك؟ هل هدفك أن تكسب؟ أم هدفك أن يظهر الحق وتتآلف القلوب؟ لأبي حنيفة كلمة جميلة جدا احفظوها وإن استطعتم أن تدونوها عندكم فدونوها، يقول فيها: "أنا مع من يختلف معي، كمثل رجل ضاعت ناقته في الصحراء، فهو يريد الناقة فلا فرق عنده: هل هو الذي سيجدها أم أحد آخر سيجدها؟ وأنا أبحث عن الحق، لا يَفرِق معي عن لساني سيكون أم عن لسان غيري؟" هذا الكلام بمثابة الذهب. من يبحث عن الحق كمن يبحث عن ناقة في صحراء، هل يشكل فرقا عندك إذا كان من سيجدها أنت أم شخصٌ آخر؟"

بدأ أبو حنيفة تعامله بأنه تواضع مع محمد الباقر. وإياك أن تعتقد أن المنطق العقلي خالي من القلب. إنها النظرية نفسها. كان من الممكن أن يقول له أبو حنيفة: "هذا هو الحق وأنت لا توافق عليه..." ولكنه بدأ معه برقة. ألسنا هنا لتعلم الأدوات وتعلم المهارة؟ أول شيء فعله أبو حنيفة هو أن سأله: "أين تحب أن تجلس؟" فعندما جلس محمد الباقر على الأريكة، جلس هو على الأرض وقال له أبو حنيفة: "إنما فعلت ذلك لأن مقامك عندي كمقام جدك عند أصحابه صلى الله عليه وسلم. فقد بدأ معه أبو حنيفة هكذا حتى قبل أن يشرح له وجهه نظره، فقد قال له الإمام محمد الباقر: "أنت الذي غَيَّرت دين جدي!"، فكأنما يقول له أبو حنيفة في أول رد عليه: "انظر لجلستي وطريقتي معك تعرف منها أنني لم أغيّر دين جدك". هلا نظرتم إلى هذا الإقناع؟ أتستطيع التعامل هكذا؟ تحتاج هذه الطريقة إلى تدريب بالطبع، فأنا أضرب لك المثال لإمام عبقري ولكنك يجب أن تبدأ في تقليده، تستطيع ذلك إن شاء الله بالنية وبالتدريب وبالمحاولة حتى تكسب قلوب الناس وتحقق نجاحات في مجالك كأبي حنيفة.

ثم جلس كلاهما أمام بعضهما البعض وقال أبو حنيفة: "يا إمام، أنت تقول أنني غَيَّرت دين جدك بالقياس بالرأي وتركت حديثه".
قال: "نعم، فعلت".
فقال: "يا إمام، أسألك ثلاثة أسئلة..." - انتبه هنا إلى طريقة أبو حنيفة الدائمة في الإقناع وتعلموها- كان إذا سأله أحدهم سؤالاً لا يرد عليه بالجواب فيصبح في موقف ضعيف، ولكن يرد عليه بسؤال. قم بتجربة هذه المسألة ولاحظ، واحفظ هذا الأمر وهو أنه كان يبدأ بسؤال سهل. كان لا يرد عليه بسؤال صعب حتى يستطيع أن يَوْجِد مساحة مشتركة بينه وبين الشخص الآخر ولِيُكَبِّر المساحة المشتركة بأسئلة سهلة، فيظل يسأل من أمامه حوالي ثلاثة أو أربعة أسئلة سهلة حتى يصل إلى نقطة الخلاف فيكون من أمامه هدأ وسكن. ألم أقل لكم أنها مهارات؟! من الممكن أن تعتبروا هذه الحلقة بمثابة التدريب.

فبدأ معه الإمام أبو حنيفة بثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: "أيهما أضعف، الرجل أم المرأة؟" وهذا سؤال سهل.
فقال محمد الباقر: "المرأة أضعف" - بدنيا المرأة أضعف-.
قال: "في دين جدك صلى الله عليه وسلم أيهما أقل من الآخر، ميراث الرجل أم ميراث المرأة؟" قال له: "المرأة نصف الرجل".
فقال: "فلو كنت أعمل بالرأي وأترك حديث جدك ودين جدك لقلت المرأة أضعف فتستحق ضعف ما يستحق الرجل. لكني لم أقل ذلك لأن حديث النبي مُقَدَّم عندي على رأيي".

السؤال الثاني: "أيهما أعظم عند الله، الصلاة أم الصيام؟"
فقال: "الصلاة".
فقال: "يا إمام، المرأة بعد رمضان يفوتها صلاة وصيام. بما أمرها جدك صلى الله عليه وسلم أن تقضي الصلاة أم الصيام؟"
قال: "الصيام".
فقال: "فلو كنت أجتهد برأيي وأترك حديث النبي لقلت الصلاة أفضل، فتقضي الصلاة ولا تقضي الصيام. لكني لم أفعل ذلك. قلت كما قال جدك، تعيد الصيام ولا تعيد الصلاة". يتكلم أبو حنيفة هنا بالعقل ولكن بتواضع.

السؤال الثالث: قال: "يا إمام، أيهما أكثر نجاسة، البول أم النُطفَة؟" - "النُطفَة" أي التي يأتي منها الولد عندما يجامع الرجل زوجته-.
فقال: "في دين جدي، البول أنجس".
فقال: "يا إمام، لو كنت آخذ بالرأي وأجتهد وأترك حديث النبي لقلت البول نغتسل منه والنُطفَة نتوضأ منها..." لأن البول أنجس "...لكني قلت كما قال جدك "البول نتوضأ منه والنُطفَة نغتسل منها" فلم أُغَيِّر بالرأي يا إمام، وإنما فعلت ما فعلت يا إمام لأن العراق كل يوم الناس تكون في جديد، فأردت أن أحمل الناس لدين جدك".
فقام محمد الباقر وقَبِّل رأس أبي حنيفة. لم يتصارع أبو حنيفة أيها الناس، أو يقول له مثل: "أنك تقول أنني غَيَّرت دين جدك! لا لم أُغََيِّر به!"، "بل غَيَّرت به!"، "إذًا فليكن، غَيَّرت به ومن يعجبه هذا فليكن كذلك، ومن لا يعجبه فلا يعجبه..." ونبدأ في الصراع. ولكن أبو حنيفة هنا استخدم المنطق العقلي.
هل نستطيع تعلم هذه الطريقة ؟

وإليكم مثال آخر، يعتقد الخوارج أن المسلم الذي يأتي بكبيرة من الكبائر مثل الزنا أو شرب الخمر يعد كافرا وهو فكر متطرف، وقد دخل الخوارج مسجد الكوفة شاهرين السيوف وتوجهوا لأبي حنيفة وقالوا له: "هناك جنازتان واقفتان بالباب، جنازة رجل شرب الخمر، ومات وهو شارب للخمر وهذه جنازته، وجنازة امرأة قامت بالزنا وحَمِلت حملا وماتت وهي حامل، فما حكم الاثنين؟ مؤمنان هما أم كافران؟ ويجب أن تصدر حكمك الآن"، وكان الخوارج ممن يستبيحون الدماء، فلو قال لهم إنهما مؤمنان لقتلوه.
فقال أبو حنيفة: "أغمدوا سيوفكم، فإني لا أستطيع أن أفكر والسيوف أمامي".
فقالوا: "إنما رفعناها لأننا نتقرب إلى الله بقطع رقبتك".
فقال أبو حنيفة: "لم أتذكر السؤال. مِن أي ملة هم؟ أمِن اليهود هم؟" هنا حَوَّل أبو حنيفة الجواب إلى سؤال بالطريقة نفسها التي يتبعها وأتى بسؤالٍ سهلٍ.
قالوا: "لا".
قال: "لم أتذكر. أمِن النصارى هم؟"
قالوا: "لا".
قال: "فمِمَن هم؟"
قالوا: "من المسلمين".
قال: "تكفيني الإجابة" وانتهت هنا المناظرة.
ولكن الخوارج اضطربوا فقالوا: "أهم في الجنة أم في النار؟"
فقال: "أقول ما يقول القرآن. أتؤمنون بالقرآن؟"
قالوا: "نعم".
قال: "أقول ما يقول القرآن على لسان إبراهيم، "...فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" سورة إبراهيم الآية رقم 36، وأقول ما يقول القرآن على لسان عيسى، "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" سورة المائدة الآية رقم 118.
فوضعوا السيوف وقالوا: "والله هذا الرجل ينطق الحق من لسانه"، فقد هدأ الخوارج بالمنطق العقلي.

ولكن انتبهوا إلى أنه لم يكن لدى أبي حنيفة مانعا أن يتنازل أحيانا عن رأيه، لأنه قد يظن البعض منكم أنه لابد وأن يكسب دائما. ففي يوم من الأيام آتاه زهير بن معاوية وسأله زهير عن مسألة فقهية معقدة تتعلق بالعبيد، فرد عليه الإمام أبو حنيفة، فقال الرجل: "ولكني سمعت حديثا عن النبي رواه فلان وفلان وفلان لم يصلك..." لأن الأحاديث لم تكن كلها تصل لكل الإئمة "...يقول فيه النبي كذا وكذا وكذا عكس ما تقول". فسكت أبو حنيفة وقال: "سأراجع الأمر" - أي سأراجع الحديث-. يقول زهير بن معاوية: "فتركت العراق عشر سنين ثم عدت. فأرسلت رجل يسأله في المسألة نفسها، فأجاب بإجابتي". قد غيَّر أبو حنيفة فقهه هنا. فذهبت إليه وقلت: "أتذكرني؟"
قال: "لا".
قال: "قلت: "أنا الذي أتيتك ولقد أرسلت إليك فلاناً".
فقال أبو حنيفة: "عِلمُنا هذا رأي، فمن جاءنا بأفضل منه قَبِلناه وتركنا ما قلناه من قبل". المنطق العقلي هو أنني مستجيب للحق وأنني على استعداد أن أسمع وأفهم. إذًا، فالنقطة الأولى هذه تتكلم عن كيف أتعامل مع من أختلف معه بالمنطق العقلي دون صراع أو تشنج؟ وأن نقلد نبينا صلى الله عليه وسلم في أن أتعامل بهدوء وروية. ولكن هذا لا يعني أن أصر على رأيي إذا ظهر الحق في رأي غيري. فكان الإمام الأعظم إمام الأئمة كما كانوا يلقبونه يقول: "عِلمُنا هذا رأي، فمن جاءنا بأفضل منه قَبِلناه". وفي رواية أخري يقول: "هو أحسن ما وصلنا إليه" أي هذا آخر ما توصلنا إليه.

mustafa omer Elhassan
ملـــــكي
ملـــــكي

احترام قوانين المنتدى : 100

عدد المساهمات : 2024
نقاط : 18060
تاريخ التسجيل : 19/10/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كيف أتعامل معك عندما أختلف معك؟

مُساهمة من طرف mustafa omer Elhassan في الخميس 06 أكتوبر 2011, 7:43 pm

التعامل مع بعض الناس بالمنطق العملي:
ولننتقل الآن إلى المنطق الثاني والنوعية الثانية من الناس التي لا تفهم النظريات، فلا تناظرهم بالعقل، ولكن هذه النوعية تحتاج إلي تطبيق عملي تشاهده. ويمتلك أبو حنيفة مهارة عالية مع هذا النوع من الناس. أول مثال للمنطق العملي يستفيد منه المسلمون المقيمون بالغرب خاصةً حيث إنهم يواجهون مشكلة في التعامل مع الملحدين الذين لا يؤمنون بأي ديانة وكان يوجد أمثالهم بالعراق. فكان يوجد كل شيء بالعراق في وقت أبي حنيفة. فجلس أبو حنيفة إليهم للمناظرة العقلية، أي المبدأ الأول الذي تكلمنا عنه وهو المنطق العقلي، وظل يناظرهم ويقول لهم أن من غير الممكن أن يكون الكون قد نشأ صدفةً، ولكنه لم يثمر عن أي نفع معهم. فظل يفكر وقال لهم إنه متعب اليوم ولا يستطيع المناظرة، وطلب منهم أن يتقابلوا معه اليوم التالي في الموعد وفي المكان ذاتهما، وظل يؤكد لهم على الموعد. وفي اليوم التالي، اجتمع الكل ولم يظهر أبو حنيفة. أراد أبو حنيفة أن يستخدم معهم الطريقة العملية. وتأخر أبو حنيفة عليهم كثيرا حتى غضبوا غضبا شديدا، ثم جاء متأخرا واعتذر لهم عن تأخره -لاحظوا هنا كيف يتعامل مع الملحدين ؟وإصراره على أن يوصل لهم فكره لا ألا يبالي بأمرهم- وذلك لأنه صاحب رسالة، فمن السهل ألا يهتم بأمرهم ويقول لهم: "أنتم مصيركم النار"، ولكنه كان يريد أن يُصلِح ويريد أن يستوعب وينقذ نَفْسا. وبعد أن جاءهم متأخراً وكانوا قد غضبوا لذلك غضبا شديدا، قال لهم أبو حنيفة: "أنا آسف ولكن كما تعلمون أنا أسكن في الناحية الأخرى من الفرات، ولكي أعبر إليكم يجب علي أن أخذ قاربا فلم يأت القارب" أي لم أجد قاربا على النهر لذلك تأخرت. السؤال المنطقي هنا هو أن يسألوه إذًا كيف وصلت إلينا؟ قال لهم: "ظللت واقفا على جانب النهر لا أعلم كيف أصل إليكم، ففجأة جاءني لوحٌ خشبيٌ وظل أمامي، ثم جاءتني أربعة ألواح من كل النواحي المحيطة، ثم بدأت الألواح تتجمع وتترابط مع بعضها البعض حتى كونت قاربا متلاصقا، فركبته فقادته الأمواج حتى وصلت إليكم".
قالوا: "أتهزأ بنا؟! أنت لا تحترم عقولنا!" أي ما هذا الكلام الفارغ الذي تقوله لنا؟
قال: "أقررتم على أنفسكم وخسِرتُم. أبت عقولكم أن تقبل أن قاربا بسيطا قد اجتمع بالصدفة وقبلتم أن هذا الكون المُعجِز كله قد اجتمع بالصدفة؟!" فسكتوا. هناك نوع من الناس يجب أن تنقلهم إلى التطبيق العملي.

وهناك مثال آخر جميل ولطيف جدا: كانت الكوفة مقرًّا لسيدنا علي بن أبي طالب وهناك من هم بالكوفة متعصبون لسيدنا علي ويَسُبُّون سيدنا عثمان بن عفان، و كان هناك أحد الأشخاص بالكوفة يمشي بين الناس يقول: "عثمان كافر، غير مسلم!". تخيل أن يقول أحدهم هذا على سيدنا عثمان! وهل ينفع معه إقناع عقلي؟ لا، بل يجب استخدام التطبيق العملي معه. فماذا ستفعل معه يا أبو حنيفة؟ ذهب إليه أبو حنيفة وطرق بابه وكان الرجل مازال يقول: "كافر، غير مسلم!". فوجد الرجل الإمام أبو حنيفة على بابه ففرح بشدة.
فقال له أبو حنيفة: "جئتك خاطبا لابنتك".
قال: "لِمَن؟"
قال: "لرجل شريف، عظيم النسب، غني، كثير المال، سَمْح، كثير الأدب، جميل المُحَيّا، عظيم العبادة!".
فقال الرجل: "نعم يا إمام! ويكفي أنه من طَرَفِك يا إمام!".
فقال أبو حنيفة: "غير أن فيه خِصلَة".
فقال: "وما هي؟"
قال: "غير مسلم".
فقال: "يا إمام، أتأمُرُني أن أزوج ابنتي لرجل غير مسلم؟ كيف هذا؟"
فقال: "فكيف قَبِلَ عقلك أن رسول الله زوج ابنتيه لرجل غير مسلم؟" وذلك لأن عثمان بن عفان قد تزوج من بنتي النبي، رقية وأم كلثوم.
فقال الرجل: "أستغفر الله، تُبْت يا إمام".
هل أدركتم كيف تعمل طريقة أبو حنيفة وكيف تتحرك؟

ومثال آخر على الطريقة العملية، أنه ورد في فقه الإمام أبو حنيفة أنه إذا قرأ الإمام سورة الفاتحة في الصلاة بصوت منخفض، ولتكن صلاة الظهر مثلاً، فقراءة الإمام، لأنه إمام، تُجزِىء عن قراءة المأمومين خلفه حتى إذا لم يقرأوا هم سورة الفاتحة، وتكون صلاتهم صحيحة فكأن الإمام يقرأ لهم. هذه المسألة بالطبع رفضها أناس كثيرون، وأتى بعض الناس من المدينة خاصةً وقالوا له: "نناظرك!" أي نرد عليك في هذه المسألة. إن هذه المسألة تتعلق بفرع من الفروع. الخلاف في الفروع لا يؤدي إلى صراع. فهذه وجهه نظر المدينة وهذه وجهة نظر أبو حنيفة.
قالوا له: "نناظرك".
فقال لهم أبو حنيفة: "أنا لا أستطيع أن أناظركم كلكم".
قالوا: "فماذا تريد؟"
قال: "اختاروا شخصا واحدا منكم أناظره. فاختاروا أعلمكم يناظرني". فاختاروا أعلمهم.
فقال لهم: "ترضون بكلامه؟"
قالوا: "نرضى بكلامه".
قال: "فإن حاججني أو حاججته يَسري كلامه عليكم؟"
قالوا: "نعم".
قال: "أقررتم على أنفسكم". أي هذا هو ما اخترته في مذهبي وهو أن كلامه يُجزىء عن كلامكم وهذا هو ما فعلتم. فاضطربوا وكانوا شبابا صغار السن مثل شبابنا الآن. إذًا، فمن على صواب؟ وجه لهم أبو حنيفة كلاما جميلا، فقال: "ولكنكم من المدينة، فإذا عدتم إلى المدينة فهناك مالك..." يقصد الإمام مالك "...يقول إنه ينبغي أن يقرأ الفاتحة، فكونوا على أهل المدينة وأنا إذا قَدِمتُ إلى مالك في المدينة سأفعل ما يفعل مالك". ما رأيك في هذا الكلام الخطير؟ وهل لاحظت المنهج العملي؟ أيها الناس، عندما تختلفون مع شخص آخر، إما أن تعلم طبيعة شخصيته فتكلمه بالعقل، وإذا كان ذلك دون جدوى، ففكر ماذا قد تكون الطريقة العملية التي تستطيع أن تقنعه بها.

أريد أن نتعلم جميعا من هذه الحلقة أننا عندما نختلف مع أناس لا نَسُبَّهم، فلنفكر في طريقة أخرى غير أن نَسُب بعضنا البعض وغير أن نكره ونصارع بعضنا البعض. أحيانا إذا وقع حادث بين سيارتين في الشارع، فمن السهل أن نتصارع ونمزق ثياب بعضنا البعض، ولكن لماذا لا نتكلم مع بعضنا البعض؟ أرى الأزواج والزوجات يتصارعون حول أبسط الأشياء، فلماذا لا يتكلمون مع بعضهم البعض؟ أرى الابن مع أبيه في صراعات ويقول: "منذ ستة أشهر، لا أكلم أبي". نرى جميعا أفراد العائلات ومنهم من يقول: "منذ سنتين وأنا منقطع عن الكلام مع أخي". لماذا لا نتحاور ونفكر أيها الناس؟ وذلك لأن كسب القلوب قُرْبَة إلى الله كبيرة مثلها كمثل الصلاة والصيام.

mustafa omer Elhassan
ملـــــكي
ملـــــكي

احترام قوانين المنتدى : 100

عدد المساهمات : 2024
نقاط : 18060
تاريخ التسجيل : 19/10/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى